لم يكن اللقاء الذي احتضنته وزارة التجهيز والنقل بالرباط يوم الخميس 09 ابريل 2026 الذي حضره برلمانيو الإقليم ورئيس المجلس الإقليمي للحسيمة مع الوزير الاستقلالي نزار بركة حول تأهيل البنية الطرقية بإقليم الحسيمة مجرد زيارة روتينية، بل شكل لحظة دالة وفارقة، سوسيولوجيا وسياسيا، ليس فقط بالنظر إلى حمولته الرمزية، بل لدوره في إعادة تشكيل أنماط الفعل النخبوي بالإقليم مستقبلا. المثير في هذا الحدث هو بروز “مبادرة جماعية” تتجاوز الأنساق التقليدية التي طبعها التشتت والصراع الضمني، حيث ظل الفاعل المحلي لفترات طويلة حبيس قاعدة غير معلنة تقضي بأن “نجاح الآخر هو تهديد للذات”، مما أنتج سردية مأساوية من العرقلة المتبادلة. على مختلف المستويات السياسية والمدنية. وقد عبر أحد أبناء الحسيمة عن هذه الحالة بسخرية: ” الحمد لله نأكل بعضنا البعض ” . “إِنّاسْ مَتَفَمْ شي مِنْتَتّم اجاوبيثْ إِنَّاس نْتَتْ اياويا”
من التنافر إلى التنسيق: تحول في سلوك النخبة غير معهود.
يمكن قراءة هذا المنعطف كتحول بنيوي من “الفعل الفرداني” إلى “الفعل الجماعي الترافعي “. فالنخب المحلية، التي غالبا ما تحركت بمنطق الزعامة الضيقة أو الحسابات الانتخابية الصرفة، وجدت نفسها – تحت وطأة الحاجة التنموية الملحة – مضطرة لتوحيد “النبرة” الاحتجاجية والترافعية. هذا التحول لا يعكس فقط وعيا بمركزية المصلحة الترابية، بل يكشف عن إدراك النخب بأن التشرذم بات العائق الأكبر أمام الولوج إلى الموارد العمومية والتأثير في مراكز القرار المركزي، خصوصا لفترة ما بعد الحراك والاحتجاجات التي عرفتها الحسيمة وما ترتب عنها من توترات واعتقالات.
في سوسيولوجيا العصبية: نحو تضامن تعاقدي حديث.
يستدعي هذا المشهد مفهوم “العصبية” في بعدها الخلدوني، لكن بصيغة متجددة يمكن تسميتها “بالعصبية المدنية الترابية”. فبينما كانت العصبية الكلاسيكية تقوم على رابطة الدم والقرابة في سياق الصراع الهوياتي، نشهد اليوم إمكانية بزوغ عصبية قائمة على “الانتماء للمجال”، تتخطى المتاريس الحزبية والإيديولوجية للدفاع عن الإقليم ككيان جامع.
السؤال الجوهري هنا: هل نحن بصدد بناء عصبية حديثة، عقلانية، قائمة على “التعاقد والتوافق” بدل “النرجسية “؟ إن تجربة الحسيمة الراهنة قد تمثل نواة لهذا التحول، حيث يتحول الاختلاف السياسي من فتيل للتناحر إلى مصدر للغنى الترافعي. وهنا فعلا لا نؤكد بان المبادرة كانت بتأطير فكري واعي للحاضرين والمبادرين الى اللقاء مع الوزير بقدر ما نود ان نستشف من المبادرة التي حصلت، الدروس الممكنة للرفع من أداء فعل النخب على مستوى إقليم الحسيمة، ونشير لهم بان ما قاموا به جميل وجيد، عليهم ان يستمروا بالمنطق الدافع الى التغيير الإيجابي وليس الى الهدم والانتحار كما رأينا ذلك على صفحات بعض المدونين.
الحقول الوسيطة والعدوى الإيجابية: رهان التعميم.
إن نجاح النخب السياسية في تنسيق جهودها يضع باقي “الحقول الوسيطة” أمام مسؤولية تاريخية لتعميم هذه “العدوى الإيجابية”:
المجتمع المدني: مدعو للانتقال من منطق “التهافت غير المنتج ” على التمويل والتموقع ، إلى منطق “الشبكات التعاونية” ذات الأثر الفعلي ، فرغم الكثافة الجمعوية التي تميز الحسيمة فان الصراعات الشخصية والداخلية اضعفت الفعالية وأثارت سخرية وطنية ، مع التأكيد على وجود استثناءات وازنة ومشرفة .
الحقل النقابي: رغم تاريخه الغني وكفاءاته المشهود لها وطنيا منذ الثمانينات الى يومنا هذا، فان استمرار الفردانية والتنازع المرضي يعيق بناء فعل نقابي جماعي قادر على الترافع الفعال، ان التنسيق والعصبية الاجتماعية هو ما يمكن ان يرفع من مكانة العمل النقابي ويساهم في تخليق الممارسة والدفاع عن القضايا الاجتماعية، خاصة في ظل سياق يتسم بارتفاع الأسعار والهجوم على مكتسبات الشغيلة .
الصحافة المحلية: مدعوة اليوم إلى مراجعة عميقة لذاتها، في ظل انزلاقات متكررة نحو ممارسات تسيء لوظيفتها الأصلية، من قبيل الابتزاز والتشهير، وتحويل الفعل الإعلامي إلى أداة لتصفية الحسابات بدل خدمة الصالح العام. كما أن تصاعد الصراعات البينية بين بعض الفاعلين في الحقل الصحفي، أسهم في تكريس مناخ من التنافر المهني الذي يضعف المصداقية الجماعية ويفقد الصحافة دورها التأطيري.
إلى جانب ذلك، يلاحظ نزوع متنام نحو تبخيس المبادرات الجماعية والتقليل من جدواها، مقابل تضخيم الأدوار الفردية، وهو ما يعيد إنتاج نفس منطق التشرذم الذي تعاني منه باقي الحقول.
إن استعادة الصحافة المحلية لدورها تقتضي القطع مع هذه الممارسات، والانخراط في بناء أخلاقيات مهنية قوامها المسؤولية، والتنافس الشريف، وخدمة القضايا العامة بمنطق جماعي يعلو على الاعتبارات الضيقة، كما ستسهم في تعميم العدوى الإيجابية على باقي القطاعات.
وعلى سبيل الختم فإن ما جرى بالرباط هو مؤشر على إمكانية انتقال الحسيمة من منطق “التنازع الداخلي” إلى “الترافع الاستراتيجي”. استثمار هذه اللحظة قد يؤسس لثقافة سياسية جديدة تعيد الاعتبار للعمل المشترك كخيار وحيد لمواجهة التهميش. الخطر الوحيد يكمن في “الارتداد”، فإما أن نكرس هذا التضامن كتقليد راسخ، أو نعود لدوامة “الكل ضد الكل” حيث يبتلع الصراع الشخصي كل أفق جماعي.
* م . امرابط








































