بلقاسم: جذوري بالريف شكّلت وعيي ومساري المهني بفرنسا

adminساعة واحدة agoLast Update :
بلقاسم: جذوري بالريف شكّلت وعيي ومساري المهني بفرنسا

أكدت نجاة فالو بلقاسم، السياسية الفرنسية من أصل مغربي، التي شغلت منصب وزيرة التربية الوطنية والتعليم العالي والبحث العلمي، والناطقة الرسمية باسم الحكومة الفرنسية سابقاً، أن مسارها الشخصي والمهني ظل محكوماً بعلاقة مركبة مع الجذور والانتماء، معتبرة أن تجربة الولادة في منطقة الريف والاستقرار لاحقاً بفرنسا أسهمت بشكل حاسم في تشكيل وعيها وحساسيتها تجاه عدد من القضايا الإنسانية والاجتماعية، محذرة بالمقابل من أن العنف الرقمي ضد النساء اليوم غير مسبوق.

وأوضحت بلقاسم، خلال مداخلة لها في لقاء نظمته مؤسسة فكر للتنمية والثقافة والعلوم، أن ارتباطها بالمغرب لم ينفصل يوماً عن مسارها، مؤكدة أن تجربة الهجرة التي عاشتها أسرتها خلقت لديها شعوراً دائماً بما وصفته بـ”الدَّيْن الرمزي” تجاه تضحيات الآباء، وهو ما يغذي لديها دافعاً مستمراً للنجاح، إلى جانب تعلقها القوي بالأرض الأصلية وحرصها على العودة إليها، خاصة في سياق التفاعل مع الطلبة والشباب.

وسجلت المتدخلة تأثرها بما يُنسب إليها من كونها نموذجاً ملهمًا للأجيال الصاعدة، معتبرة أن هذا الإحساس يتعزز في سياق عالمي يتسم باضطراب متزايد، في ظل عودة النزاعات، وتفاقم التحديات المناخية، والتسارع الكبير للتطورات التكنولوجية، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، بما يطرح تساؤلات عميقة حول مستقبل العمل والهوية الإنسانية. وفي هذا السياق، شددت على أهمية الاضطلاع بدور “الجسر” لمواكبة الشباب ومساعدتهم على إيجاد موقعهم في عالم متغير.

وأبرزت بلقاسم أن القيم التي تؤطر مواقفها تظل بسيطة في جوهرها، لكنها حاسمة في امتداداتها، وفي مقدمتها الإيمان بكرامة الإنسان ورفض أي تراتبية بين البشر، مشددة على أن هذه القناعة تدفعها إلى اتخاذ مواقف واضحة في قضايا الهجرة واللجوء، حيث تدافع، بصفتها رئيسة لجمعية “فرنسا أرض اللجوء”، عن ضرورة احترام الحق في اللجوء وضمان معاملة إنسانية للأشخاص الفارين من الاضطهاد، رافضة في الآن ذاته منطق التبرير السياسي أو الاقتصادي الذي قد يفضي إلى التغاضي عن مآسي إنسانية، من قبيل غرق المهاجرين في البحر الأبيض المتوسط.

كما ربطت الوزيرة السابقة هذا التصور الإنساني بقضايا أخرى، من بينها محاربة الفقر والتفاوتات الاجتماعية، وضمان الحق في التعليم، معتبرة أن الكرامة الإنسانية تظل المدخل الأساسي لكل السياسات العمومية.

ومن هذا المنطلق، شددت على أن المساواة بين النساء والرجال تمثل إحدى معاركها المركزية، مستحضرة تجربتها الحكومية في هذا المجال، ومواصلة انخراطها الأكاديمي من خلال برامج تكوينية تعنى بالمساواة والسياسات العمومية، سواء بفرنسا أو بالمغرب.

وفي قراءتها للتحولات الراهنة، حذرت بلقاسم من مخاطر الانغلاق المجتمعي، في ظل تنامي مشاعر الخوف وعدم اليقين، وتعاظم تأثير الوسائط الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي التي تُغذي، بحسب تعبيرها، “فقاعات معرفية” تعزز الانعزال وتحد من التفاعل مع الآخر، معتبرة أن هذا المسار قد يفضي إلى تطبيع التمييز والعنصرية.

وفي معرض تقييمها لحصيلة عملها الحكومي في مجال حقوق المرأة، اعتبرت أنها أسهمت في تحقيق تقدم ملموس، خاصة من خلال قانون المساواة الفعلية بين النساء والرجال لسنة 2014، الذي تضمن إجراءات عملية لمكافحة العنف ضد النساء، من بينها إقرار مبدأ طرد الزوج المعنِّف من بيت الزوجية، إلى جانب توسيع مبدأ المناصفة ليشمل مختلف مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وليس فقط الحقل السياسي، فضلاً عن إدماج معايير المساواة في الصفقات العمومية، وتشجيع تقاسم إجازة الأبوة بما يحقق توازناً أفضل داخل الأسرة.

غير أنها، في المقابل، نبهت إلى ما وصفته بمؤشرات “تراجع مقلقة” على مستوى حقوق النساء، سواء من خلال صعود تيارات سياسية محافظة ذات نزعة ذكورية في عدد من الدول، أو عبر تنامي أشكال التمييز والعنف الرقمي، خاصة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تتعرض النساء، لا سيما الشخصيات العمومية، لموجات من الإهانات والتهديدات، بشكل يفوق بكثير ما يتعرض له نظراؤهن من الرجال.

واعتبرت أن هذه الظواهر ليست معزولة، بل تعكس وجود خلفية إيديولوجية تغذيها أيضاً بعض الفاعلين في المجال الرقمي العالمي، مما يكرس بيئة تنافسية غير متكافئة تكون النساء من أبرز ضحاياها. وفي هذا السياق، نوهت بالتطورات التي يشهدها المغرب على المستوى القانوني، خاصة ما يتعلق بإصلاح مدونة الأسرة، مشيدة بدور المجتمع المدني في الدفع بقضايا من قبيل محاربة زواج القاصرات وتعزيز المساواة في الولاية الأبوية.

كما عبرت عن تقديرها الكبير للعمل الجمعوي، خاصة في مجال دعم النساء ضحايا العنف، معتبرة أن هذه المبادرات تملأ أحياناً فراغات تعجز السياسات العمومية عن تغطيتها، وتلعب دوراً أساسياً في التأثير على القرار السياسي، مستدلة بتجارب تشريعية سابقة في فرنسا لم تكن لترى النور لولا تعبئة الجمعيات وتوثيقها للمعطيات الميدانية.

وفي ختام مداخلتها، تطرقت بلقاسم إلى إشكالية الاستقلال المالي للمرأة، معتبرة أنه شرط أساسي للتحرر، لكنه لا يكفي لوحده، في ظل نموذج مجتمعي يفرض إيقاعاً مرهقاً للعمل على حساب الحياة الأسرية والشخصية.

واستحضرت في هذا السياق نماذج من تجارب نسائية تعكس حجم التضحيات المرتبطة بالمسارات المهنية، داعية إلى إعادة التفكير في تنظيم العمل وتوزيع الزمن، خاصة في ظل التحولات التي قد يفرضها الذكاء الاصطناعي، بما يسمح باستعادة التوازن داخل الأسرة وتفادي ما وصفته بـ”الاحتراق النفسي” الذي يطال الآباء والأمهات على حد سواء.

وشددت على أن تحقيق الرفاه لا ينبغي أن يُختزل في الإنتاجية والعمل المستمر، بل يمر أيضاً عبر إعادة الاعتبار للروابط الإنسانية وجودة الحياة، مؤكدة أن المرحلة الراهنة تستدعي نقاشاً جماعياً حول نماذج العيش والعمل بما ينسجم مع التحولات العميقة التي يعرفها العالم.

وكالات

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News