قال عبد الكبير اخشيشن، رئيس النقابة الوطنية للصحافة المغربية، إن “النهوض بأوضاع الصحافيين يشكل مدخلا أساسيا لإصلاح الإعلام الوطني، بما يضمن بناء مشهد إعلامي مهني، مستقل، وقادر على مواكبة التحولات الرقمية والتكنولوجية المتسارعة، مع تعزيز قدرات المقاولات الإعلامية الوطنية في مجالات الرقمنة وإنتاج المحتوى الحديث”.
ودعا، في ندوة صحفية جرت اليوم الأربعاء بمقر النقابة بالرباط، إلى “إطلاق إصلاح شامل وعميق للقطاع، يقوم على دعم المقاولات الإعلامية الوطنية، وتحسين الأوضاع الاجتماعية والمهنية للعاملين، وتعزيز أخلاقيات المهنة، وترسيخ تنظيم ذاتي مستقل وتعددي يعكس إرادة الجسم الصحفي ويحفظ استقلال قراره”.
وعبرت النقابة عن “قلقها من استمرار هشاشة أوضاع الصحافيين والصحافيات، في ظل ضعف الأجور وغياب الحماية الاجتماعية الكافية، وانتشار العقود غير المستقرة، مما أدى إلى استنزاف الكفاءات وهجرة عدد من المهنيين نحو قطاعات أخرى أو خارج البلاد”.
وسجلت النقابة، بقلق، إصرار الحكومة على تمرير مشروع القانون المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، في تجاهل واضح لمبدأ التشاور مع الهيئات المهنية والنقابية والمنظمات الحقوقية، وهو ما تعتبره مسا باستقلالية التنظيم الذاتي للمهنة وتراجعا عن الضمانات الديمقراطية والدستورية المؤطرة للقطاع.
وشددت على أن “طريقة إعداد وتمرير هذا المشروع أفرزت أزمة ثقة داخل الوسط الإعلامي، خاصة في ظل غياب الإنصات للملاحظات والمقترحات التي عبرت عنها مختلف الفعاليات المهنية والمؤسساتية، الأمر الذي يهدد بإضعاف استقلالية المجلس الوطني للصحافة وتكريس مزيد من الاختلالات داخل القطاع”.
وتابع النقيب: “في الوقت الذي تسجل فيه النقابة بشكل إيجابي غياب حالات سجن الصحافيين خلال السنة الجارية، فإنها تجدد مطالبتها بتحيين منظومة قوانين الصحافة والنشر بما ينسجم مع مبادئ حرية التعبير والمعايير الديمقراطية، مع ضرورة تحصين استقلالية المهنة وإبعادها عن كل أشكال التأثير السياسي أو الاقتصادي”.
وأورد نقيب الصحافيين أنه “سبق للنقابة الوطنية للصحافة المغربية أن عبرت عن استحسانها لعدم إقدام أي مسؤول حكومي أو ترابي على مقاضاة الصحفيين المهنيين، واعتبرنا ذلك مؤشرا على نضج الرؤية التي تتمثل غايات الدستور في تنظيم المهنة، والتوجه نحو تطوير البيئة القانونية من جهة، وتقوية البيئة المهنية من جهة أخرى، من خلال توفير شروط الاستقرار والاعتناء بالعنصر البشري تكوينا وتأهيلا للحد من بعض الآثار السلبية التي تخلق حوادث السير المهني غير المرغوب فيها”.
ولفت إلى أنه “مع المعطيات الواردة في التقرير، سواء تعلق الأمر بالجانب القانوني الذي عرف اهتزازا عنيفا، أو بالأوضاع الاقتصادية للمقاولات الصحفية التي أفرزت مزيدا من الهشاشة، اتضح أن ما اعتبر مكسبا على مستوى عدم متابعة الصحافيين سيتراجع خلال هذه السنة بشكل ملحوظ”.
ونبه إلى أن “هذه التطورات القانونية التي تهم قطاع الصحافة بشكل عام، وإصلاح المجلس الوطني للصحافة بشكل خاص، يجب النظر إليها في ضوء هذه المتابعات القضائية التي شملت صحفيين في قضايا الصحافة والنشر، ومنها ما تم تكييف التهمة فيها بمقتضيات القانون الجنائي”.
وذكر أن “النقابة، في أول متابعة من هذا القبيل، دعت جميع المسؤولين والسلطات إلى ضرورة التحلي بالصبر على التجاوز إن وجد، والمساهمة في التسريع بالإصلاح القانوني للمهنة، وخصوصا المجلس الوطني للصحافة، بسلطة معنوية قوية مستمدة من شرعية المهنة والمهنيين، بما يمكنه من التصدي لمثل هذه التجاوزات. كما سبق للنقابة، ولا تزال إلى اليوم، أن انتقدت ترحيل عدد من التهم المرتبطة بالصحافة والنشر إلى القانون الجنائي، واعتبرت ذلك معرقلا لخلق بيئة مهنية مسؤولة، لا تعلو فوق القانون بل تنضبط لروحه”.
وأشار إلى أن “الإحجام عن اعتقال الصحفيين خلال هذه السنة ساهم في تحسين ترتيب بلدنا في تصنيف مراسلون بلا حدود، والعبرة التي يجب استخلاصها هي قدرتنا الجماعية على بناء بيئة مهنية طبيعية تحترم الحقوق والواجبات، وتعي دور الإعلام في البناء التنموي والديمقراطي”.
وأبرز أن “النقطة المثيرة خلال هذه السنة هي استعمال القانون الجنائي في مواجهة ممارسات الصحافيين التي يتم تأويلها خارج قانون الصحافة والنشر وقانون الصحفي المهني، وهو ما خلق انطباعا بأن هذا الإصرار على إعمال القانون الجنائي هو تصعيد في مواجهة الصحافيين، ولتجاوز آثار هذا الاستعمال المفرط للقانون الجنائي في مواجهة صحفيين، نتطلع إلى انفراج كبير بإسقاط هذه المتابعات وخلق أجواء من الثقة في المهنة وأصحابها، في أفق تجاوز كل الأخطاء وضمان عدم تكرارها”.
وأورد أن غياب الحماية القانونية الفعالة للصحفيين، لا سيما في مواجهة حملات المضايقة، يجعل إصلاح المجلس الوطني للصحافة في صيغته الحالية أكثر إثارة للخوف والقلق. وإذا لم يعد بإمكان هذه الهيئة العمل بشكل مستقل للدفاع عن حقوق المهنة والمهنيين، فإنها تخاطر بأن تصبح شريكا سلبيا، أو حتى فاعلا مباشرا، في تقييد الحريات.
وذكر أنه “تبين من المقارنة مع نماذج التنظيم الذاتي الأخرى أن الإصلاح المغربي يشكل تراجعا واضحا عن المعايير الديمقراطية المعمول بها في العديد من التجارب على الصعيد الدولي، سواء في الدول الديمقراطية أو تلك التي تسعى إلى تحقيقها. فقد أجرت دول تمر بمرحلة انتقال ديمقراطي، مثل كينيا، إصلاحات تهدف إلى تعزيز استقلالية الهيئات التنظيمية، غالبا تحت إشراف المحاكم الدستورية أو الهيئات المستقلة. في المقابل، يبتعد إصلاح المجلس الوطني للصحافة في بلادنا عن مبادئ التعددية والشفافية والمشاركة والاستقلالية، سواء تلك المنصوص عليها في الدستور أو في الصكوك الدولية”.
وأفاد أنه خلال هذه السنة لم تسلم الصحافيات والصحافيون من أشكال متنوعة من الاستهداف، سواء تعلق الأمر بتدخلات غير موفقة للقوات العمومية خلال مظاهرات، خصوصا تظاهرات “جيل زد”، أو باستهداف مسؤولين عموميين أو خواص للصحافيين خلال قيامهم بواجبهم المهني، بل وحتى الاعتداء على عدد منهم، وهو ما دفع النقابة إلى إصدار بيانات بخصوص هذه الوقائع.
واستنكر استمرار “التنمر والتشهير الذي يستهدف الصحافيين خلال هذه السنة، بل وصل إلى مرحلة غير مقبولة إطلاقا، لأنه تجاوز الصحفيين إلى عائلاتهم وما يترتب عن ذلك من أضرار. وعلى مستوى البيئة المهنية، ترصد النقابة بصرامة استمرار بعض الممارسات القائمة على التمييز، والتنميط الإعلامي، والتشهير، وهي ممارسات تساهم في خلق بيئة معادية للمساواة”.





































