أعاد الجدل الذي رافق تراجع الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية بمدينة الحسيمة عن موقف اتهامي سابق لحراك الريف وناشطيه بالانفصال إلى الواجهة واحدة من أكثر القضايا استهلاكا في النقاش السياسي المرتبط بالريف، وهي قضية ربط حراك الريف بسردية الانفصال. وقد بدا واضحا من خلال التفاعلات التي صاحبت هذا التراجع / الاعتذار أن جزءا مهما من التفاعل العمومي ما زال يدور داخل الحلقة نفسها التي استهلكت سنوات طويلة من الجدل دون أن تفضي إلى نتائج سياسية أو حقوقية واقعية. فكلما ذكر الريف عادت إلى السطح الاتهامات ذاتها، وعادت معها ردود الفعل ذاتها، وكأن الجميع محكوم بإعادة إنتاج المشهد نفسه، مع اختلاف طفيف في الأسماء والظروف والتوقيت.
في الواقع، لا تكمن أهمية هذا السجال في الاعتذار ذاته، ولا في الشخص الذي قدمه، بل في ما يكشفه من استمرار آليات التفكير القديمة التي ما زالت تحكم العلاقة بين الدولة والأحزاب من جهة، وبين الريف من جهة أخرى. كما أنه يكشف عن حاجة ملحة داخل المجتمع الريفي نفسه إلى مراجعة بعض أنماط التفكير التي تحولت مع مرور الوقت إلى عوائق حقيقية أمام تطوير الوعي السياسي الجماعي.
لقد أصبحت تهمة الانفصال، خلال العقود الأخيرة، أداة سياسية جاهزة يجري استدعاؤها كلما برزت مطالب اجتماعية أو سياسية أو ثقافية في الريف. وهي ليست حالة استثنائية مرتبطة فقط بالريف، بل تمثل إحدى الآليات الكلاسيكية التي تلجأ إليها الأنظمة السياسية حين ترغب في نقل النقاش من جوهر المطالب إلى هوية أصحابها. فعوض أن يصبح السؤال: لماذا يحتج الناس؟ وما هي أسباب الغضب الاجتماعي؟ وكيف يمكن معالجة الاختلالات القائمة؟ يتحول السؤال إلى: هل هؤلاء وطنيون أم انفصاليون؟ هل يمثلون مطالب مشروعة أم يشكلون خطرا على الوحدة الوطنية؟
وبهذه الطريقة يتم تفريغ النقاش من مضمونه الحقيقي، وتحويله إلى معركة رمزية حول الولاء والخيانة والانتماء. إنها عملية سياسية معروفة تقوم على استبدال الأسئلة الصعبة بأسئلة سهلة، واستبدال النقاش حول السلطة والثروة والعدالة الاجتماعية بنقاش حول الوطنية والهوية.
غير أن المشكلة لا تكمن فقط في الجهات التي تنتج هذه السردية أو تروجها، بل أيضا في الطريقة التي يتعامل بها جزء من الفاعلين الريفيين معها. فمنذ سنوات طويلة، يجد الريفيون أنفسهم في موقع الدفاع المستمر عن براءتهم من تهمة لم يثبتها أحد ولم يقم عليها دليل سياسي أو قانوني أو تاريخي. ومع مرور الوقت تحولت عملية الدفاع هذه إلى جزء من الحياة السياسية الريفية نفسها، حتى أصبح كثير من الجهد الفكري والإعلامي مستنزفا في الرد على الاتهامات بدل الانشغال بإنتاج الأفكار والمشاريع والرؤى.
وهنا تظهر إحدى أهم الإشكالات التي ينبغي التوقف عندها. فليس كل معركة يفرضها الخصم تستحق أن تتحول إلى أولوية. وليس كل اتهام يستدعي سنوات من الردود والتبريرات. فالسياسة ليست مجرد رد فعل على ما يقوله الآخرون، بل هي قبل كل شيء قدرة على تحديد الأولويات وصناعة الأجندة وفرض المواضيع التي يجب أن يناقشها الجميع.
حين تنجح أي جهة في دفع خصومها إلى الانشغال الدائم بالرد عليها، فإنها تكون قد حققت جزءا مهما من أهدافها. ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي حركة اجتماعية أو سياسية هو أن تتحول من منتجة للنقاش إلى مجرد مستهلكة له، ومن صانعة للأسئلة إلى مجرد مجيبة عن أسئلة الآخرين.
لقد كان حراك الريف، في جوهره، حدثا اجتماعيا وسياسيا مرتبطا بقضايا الكرامة والعدالة والتنمية والحقوق الأساسية. وكان الملف المطلبي الذي رفعه المحتجون واضحا في مضامينه وأهدافه. لكن عملية إعادة تعريف الحراك من طرف خصومه جرت وفق منطق مختلف تماما. فبدل النظر إليه باعتباره تعبيرا عن أزمة اجتماعية وسياسية، جرى تقديمه باعتباره أزمة أمنية أو هوياتية أو تهديدا محتملا للوحدة الوطنية.
وهنا بالضبط يظهر الدور الوظيفي الذي لعبته بعض الأحزاب السياسية.فالخطأ الكبير الذي يقع فيه كثير من الناس هو الاعتقاد بأن الأحزاب السياسية تشتغل دائما وفق قناعاتها المعلنة أو برامجها النظرية. بينما تكشف التجارب السياسية في كثير من البلدان أن الأحزاب، خصوصا داخل الأنظمة المغلقة أو شبه المغلقة، تتحول في أحيان كثيرة إلى أدوات لإعادة إنتاج التوازنات القائمة أكثر من كونها أدوات لتغييرها.
ولا يتعلق الأمر هنا بحزب معين دون غيره، بل بظاهرة أوسع تشمل جزءا كبيرا من الحقل الحزبي. فالأحزاب، مهما اختلفت شعاراتها، تظل محكومة بسقف سياسي معين، وتتحرك داخل حدود مرسومة سلفا، وتحاول باستمرار التوفيق بين خطابها الموجه إلى المجتمع وموقعها داخل البنية السياسية القائمة.
من هذا المنظور يصبح مفهوما لماذا كانت مواقف عدد من الأحزاب تجاه الريف متشابهة في لحظات كثيرة رغم اختلاف المرجعيات الفكرية المعلنة. فالوظيفة السياسية كانت أحيانا أقوى من الاختلاف الإيديولوجي. وكانت الحاجة إلى الانسجام مع السردية الرسمية تتغلب على الحاجة إلى فهم الواقع كما هو.
ولهذا فإن الاعتذار، رغم أهميته الأخلاقية والسياسية، لا ينبغي أن يتحول إلى مناسبة للاحتفال أو الانتشاء، بل إلى فرصة لطرح الأسئلة الجوهرية. لأن الاعتذار الحقيقي لا يبدأ من الاعتراف بالخطأ فقط، بل من تفكيك المنظومة الفكرية والسياسية التي أنتجت ذلك الخطأ وجعلته ممكنا ومقبولا لعقود طويلة.
لكن النقد لا ينبغي أن يتوقف عند الأحزاب وحدها. فالمجتمعات التي تطمح إلى التحرر لا تستطيع أن تبني مستقبلها فقط عبر نقد الآخرين. إنها تحتاج أيضا إلى شجاعة نقد الذات.
وهنا تبرز ضرورة الحديث عن بعض الاختلالات الموجودة داخل الساحة الريفية نفسها.
لقد أدى تراكم المظالم التاريخية إلى نشوء ميل مفهوم نحو التركيز على مسؤولية الخارج في كل ما حدث ويحدث. وهذا أمر طبيعي إلى حد كبير، لأن التهميش والإقصاء والسياسات العقابية ليست أوهاما أو اختراعات دعائية، بل وقائع موثقة في الذاكرة الجماعية للريف.
غير أن الاعتراف بهذه الوقائع لا يعني إعفاء الذات من المساءلة.
فالمجتمعات الحية هي التي تمتلك القدرة على النظر إلى نفسها بالصرامة نفسها التي تنظر بها إلى خصومها.لماذا تتكرر الانقسامات داخل النخب الريفية؟ لماذا تتحول الخلافات الفكرية إلى خصومات شخصية؟ لماذا تفشل كثير من المبادرات الوحدوية بعد فترة قصيرة من انطلاقها؟ لماذا يستهلك جزء كبير من الجهد في معارك جانبية لا تضيف شيئا إلى القضية الأساسية؟ ولماذا يجد كثير من الفاعلين صعوبة في الانتقال من منطق التعبئة العاطفية إلى منطق البناء المؤسسي؟
هذه الأسئلة ليست اتهامات، بل ضرورات فكرية وأخلاقية. لأن أي مشروع تحرري يفقد جزءا من قوته حين يكتفي بتشخيص أخطاء الآخرين ويتجاهل نقاط ضعفه الخاصة.
لقد أظهرت تجربة الحراك وما بعدها أن الريف يمتلك طاقات بشرية هائلة، وأنه قادر على إنتاج أشكال متقدمة من التضامن والصمود والتنظيم الشعبي. لكن التجربة نفسها أظهرت أيضا حدود العمل الذي يعتمد على ردود الفعل أكثر مما يعتمد على الرؤية الاستراتيجية.
ففي كثير من الأحيان تتحول الساحة الريفية إلى فضاء للاستجابة المستمرة للأحداث اليومية. تصريح هنا، ومنشور هناك، وسجال في موقع إلكتروني، وخلاف على وسائل التواصل الاجتماعي. ومع مرور الوقت يصبح الجميع منشغلا بإطفاء الحرائق الصغيرة، بينما تتراجع الأسئلة الكبرى إلى الخلف.
وهذه إحدى المشكلات التي تواجه كثيرا من الحركات الاجتماعية في العالم. إذ تنجح في التعبئة لكنها تواجه صعوبة في التحول إلى قوة معرفية ومؤسساتية طويلة الأمد.
إن القضية الريفية اليوم لا تحتاج فقط إلى الذاكرة، رغم أهميتها، ولا تحتاج فقط إلى المظلومية، رغم مشروعيتها، بل تحتاج إلى إنتاج معرفة جديدة حول نفسها وحول العالم من حولها.
تحتاج إلى مراكز تفكير أكثر من حاجتها إلى غرف الصدى.
وتحتاج إلى دراسات وأبحاث ومشاريع استراتيجية أكثر من حاجتها إلى السجالات الموسمية.
وتحتاج إلى ثقافة سياسية جديدة تتجاوز الثنائية التقليدية بين التمجيد والتخوين.
فواحدة من أخطر الظواهر التي عرفتها الساحة الريفية خلال السنوات الأخيرة هي الميل إلى تقسيم الناس بين أبطال وخونة، بين وطنيين وعملاء، بين مخلصين ومتآمرين. وهي ظاهرة لا تختلف في جوهرها عن المنطق الذي تنتقده، فالعقل الذي يرفض الاختلاف لا يمكن أن ينتج الحرية، والعقل الذي يحاكم الأشخاص بدل مناقشة الأفكار لا يمكن أن يبني ثقافة ديمقراطية.
والعقل الذي يبحث دائما عن الأعداء أكثر مما يبحث عن الحلول يبقى أسير دائرة مغلقة من الصراعات العقيمة.
ولهذا فإن أحد أكبر التحديات المطروحة أمام الريفيين اليوم هو الانتقال من ثقافة الزعامة إلى ثقافة الذكاء الجماعي.
فالذكاء الجماعي لا يعني إلغاء دور الأفراد أو التقليل من أهمية الرموز، بل يعني بناء بيئة تصبح فيها المعرفة موزعة على الجميع، وتصبح فيها المؤسسات أقوى من الأشخاص، وتصبح فيها الفكرة قادرة على الاستمرار حتى لو غاب أصحابها.
لقد علمتنا تجارب الشعوب أن الرهان على الأشخاص وحدهم رهان محفوف بالمخاطر. فالأشخاص يعتقلون، أو يهاجرون، أو يخطئون، أو يتعبون، أو يختلفون. أما المؤسسات فتملك قدرة أكبر على الاستمرار والتراكم والتجدد. ومن هنا فإن المستقبل الحقيقي لأي مشروع سياسي أو مجتمعي لا يقاس بعدد الرموز التي يمتلكها، بل بعدد المؤسسات التي يستطيع بناؤها.
إن الريف في حاجة إلى عقل جماعي سياسي جديد يخرج من أسر الانفعال ويقترب أكثر من التفكير الواقعي الاستراتيجي. عقل لا يجعل من كل استفزاز معركة مصيرية، ولا من كل خلاف انقساما تاريخيا، ولا من كل اعتذار انتصارا نهائيا.عقل يفهم أن السياسة ليست إدارة للمشاعر، بل إدارة للمصالح والتوازنات والفرص، وعقل يدرك أن الخصوم لا يهزمون فقط بالاحتجاج عليهم، بل أيضا بالتفوق عليهم في إنتاج الأفكار والتنظيم والمعرفة.
لقد نجحت فزاعة الانفصال، خلال فترات معينة، ليس لأنها كانت قوية من ناحية الوقائع على الأرض، بل لأن الطيف الحراكي لم ينجح في تبديدها وتفكيكها وبالتالي فرض سرديته الخاصة بالشكل الكافي. فالمعركة الحقيقية ليست معركة الدفاع عن البراءة، بل معركة إنتاج الشروط الاجتماعية والسياسية لنزع كل الألغام وبؤر الانفجار بطريقة ذكية، لأنه لسبب بسيط أن من لا ينتج فعله الخاص والمحصن سيجد نفسه دائما مضطرا للعيش داخل فعل الملاحق الذي ينتجه الآخرون .
إن الجدل الأخير، مهما كانت تفاصيله، ينبغي أن يتحول إلى فرصة للتفكير في الأسئلة الكبرى لا في الانفعالات العابرة. لأن مستقبل الريف لن يتحدد بما يقوله هذا الحزب أو ذاك، ولا بما يكتبه هذا الشخص أو ذاك، بل بمدى قدرة الريفيين أنفسهم على بناء عقل جماعي نقدي، قادر على التعلم من أخطائه، وقادر على تجاوز ردود الفعل، وقادر على تحويل الذاكرة من عبء يثقل الحاضر إلى قوة تدفع نحو المستقبل.
فالشعوب لا تنتصر لأنها تمتلك قضية عادلة فقط، بل لأنها تمتلك أيضا القدرة على التفكير في تلك القضية بعقل بارد، ونقد ذاتي مستمر، ورؤية تتجاوز اللحظة الراهنة. وحين ينجح الريفيون في تحقيق هذا الانتقال، من عقلية الدفاع إلى عقلية البناء، ومن منطق رد الفعل إلى منطق الفعل، ومن التمركز حول الأشخاص إلى الاستثمار في الذكاء الجماعي، فإنهم سيكونون قد خطوا الخطوة الأهم نحو امتلاك مصيرهم السياسي والفكري، بعيدا عن كل السرديات الجاهزة، سواء تلك التي ينتجها الخصوم أو تلك التي يصنعونها هم لأنفسهم.
فريد آيث لحسن
لاهاي
11 يونيو 2026




